محمد راغب الطباخ الحلبي
112
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
من حمله ، وأطلق له السلطان بغالا وجمالا وخيلا برسم حمل ما يحتاج إلى حمله ، وعمل له يوم الأحد تاسع عشر صفر دعوة عظيمة في الميدان الأخضر وأحضرها جميع الأمراء ومقدمي حلب . قال : وبينما السلطان على لذته بالدعوة والأخذ والعطاء والإنعام والحباء حضر إليه من عرفه وفاة أخيه تاج الملوك بسبب الضربة التي أصابته على حلب ، فلم يتغير لذلك ولا اضطرب ولا انقطع عما كان عليه من البشاشة والفرح وبذل الإحسان ، وأمر بستر ذلك وتوعد عليه إن ظهر ، وكظم حزنه وأخفى رزيته وصبر على مصيبته ، ولم يزل على طلاقته وبشاشته إلى وقت العصر ، وفي ذلك الوقت انقضت الدعوة وتفرق الناس ، فحينئذ قام رحمه اللّه واسترجع وبكى على أخيه ، ثم أمر به فغسل وكفن وصلى عليه وأمر به فدفن بمقام إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلم بظاهر حلب ، ثم حمله بعد ذلك إلى دمشق ودفنه بها . قال : وكان تاج الملوك شابا حسن الشباب مليح الأعطاف عذب العبارة حلو الفكاهة مليح الرمي بالقوس والطعن بالرمح ، وكان شجاعا باسلا مقداما على الأهوال ، وكان قد جمع إلى ذلك الكرم واليقين في الأدب ، وله ديوان شعر حسن متوسط فمنه : يا هذه وأماني النفس قربكم * يا ليتها بلغت منكم أمانيها إن كانت العين مذ فارقتكم نظرت * إلى سواكم فخانتها أماقيها قال في المختار من الكواكب المضية نقلا عن الصاحب : قال بعض من كان في صحبته : دخلت إليه في صبيحة اليوم الذي جرح فيه فوجدته متكئا على جنبيه وبين يديه دواة وقد وضع ورقة بيضاء على الأرض وهو يكتب فيها ، قال : فجلست قليلا فرمى بالورقة إلى فإذا فيها أسكان مصر لعل الزمان * علي بقربكم عائد أما تذكرون فتى شوقه * إلى قربكم أبدا زائد جريحا طريحا يمل الطبيب * ويسأم من سقمه العائد محبا لكم كان يرجوكم * بآمد لا سقيت آمد فلما تهيا لقطع الفرات * وعاوده عقله الشارد وأصبح في حلب راجيا * زمانكم ليته عائد رماه الزمان بأحداثه * كأن الزمان له حاسد